GuidePedia

0

بقلم الكاتب محمد فخري جلبي 
مامعنى أن تسكن في كف الموت يقلبك كاأوراق الشجر قبل الخريف ، كأحجار النرد قبل السقوط في العدم !!
مامعنى أن تكون منفيا خارج حدود العالم وتشعر بأنك لم تغادر أعتاب مدينتك القديمة بعد خمسين عام من السفر !!
مامعنى أن تسرق النوافذ والجدران وأعمدة الأنارة وقطط الشوارع ورائحة المطر من مدينتك وتزرعها في المنفى كحبات القمح كأزرار الياسمين كاقارورات العطر !!
مامعنى أن تشاهد مدينتك تغتصب على الشاشات وتباع في المزادات وتنحر في المؤتمرات وأنت جالس في المقهى بلاحراك كافنجان القهوة لايعلم من سينهي حياته ولكن يبقى صامتا كالتمثال !!
مامعنى أن تمنح باريس لقب عاصمة العطر وروما عاصمة الحب ومدريد عاصمة السحر ووحدها حلب تكون عاصمة الألم والحزن والموت !!
عندما كنت صغيرا كنت أغار على مدينتي كما العاشق يشتعل غيرة على محبوبته الشقراء الصغيرة ، وكنت أظنني حين أكبر سأكتب رسالة إلى الآله ليهديها بحرا أكثر زرقة من جميع بحور العالم ، وليجعل مساجدها وكنائسها فنادق تصطادف بها الملائكة ، ولمنح قلعتها وسام القداسة على مر الأزمان والعصور . ولكن عندما كبرت وليتني لم أكبر لم أطلب من الآله سوى أن يوقف شلال الموت المنهمر من سقف السماء لقعر مدينتي ، وأن يضع على أعتابها ألف ألف ملك ليوقفوا شذاذ الأفاق من نهش لحمها . ولكن مازلت أكبر ومازال الآله لايجيب ومازال العمر يمضي بلا عنوان بلا ملامح ومازال الألم مستوطن ذاك الجسد المريض .
إلى حلب أنتمي فإلى من تنتمون أيها الصامتون الظلاميون مدينة تقتل كل صباح وأنتم في سباتكم غارقون !!!!

إرسال تعليق

 
Top